السبت، 23 مايو 2009

مجرد توقيع

مجرد توقيع !!
د. مصطفى رجب

قرر الأطباء بالإجماع أن المرارة في حاجة إلى استئصال عاجل ، وشرعت إدارة المستشفى في اتخاذ إجراءات العملية الجراحية . إلا أن المفاجأة التي أذهلت الجميع أن المريض أبى أن يوقع إقراراً بالموافقة على إجراء الجراحة . اضطر مدير المستشفى للتدخل حين أعلموه بالموقف ، وكان رد فعله هو الضحك الحزين المشوب بعدم الفهم . فعلى مدى نصف ساعة من المناقشة مع المريض لم يستطع المدير فهم المسألة . . ربما كانت هذه أول مرة يواجه فيها مريضاً يرفض إجراء جراحة تحفظ له حياته ، أو هكذا يعتقد الأطباء . كانت حجج المريض قوية لدرجة أذهلت المدير فالمريض – كما قال – لا يشارك الأطباء تفاؤلهم بمستقبله الصحي ، لأن هذا المستقبل لا يهمهم في شيء ، وقد يختلف تفاؤلهم – أو تقل حدته – لو كان أحدهم هو المريض ، ومن جهة ثانية – يقول المريض – فإنه لا يشاركهم ثقتهم بأن استئصال المرارة عملية تقليدية لا ينتج عنها الموت إذا أجريت بنجاح . فالموت قد يأتي إلى الإنسان من عمليات أبسط من المرارة بكثير مثل لدغة العقرب مثلاً ، أو مجرد حادث دراجة بخارية في الشارع . ومن جهة ثالثة – ما زال المريض يقول – فإن التوقيع على إقرار بالموافقة على الجراحة ؛ إجراء روتيني إداري يعني أن إدارة المستشفى تفكر بعقلية إدارية وليس بعقلية مهنية . فهي تسعى إلى حماية أطبائها من العقاب والمحاكمة ، وفي هذا الإجراء ما فيه من الانتهازية واستغلال الإنسان – وهو في أضعف حالاته – بغية الحصول منه على تبرئة قاتليه في صورة وثيقة يوقعها تحت ضغط الألم . كما أن هذا الإجراء نفسه يمثل ضغطاً نفسياً على المريض وإشعاراً مسبقاً له بأنه قريب من النهاية مما يكون له أثره السلبي على ضغط الدم فيرتفع فجأة في لحظات قد تتزامن مع بدء الجراحة فتحدث الوفاة . ثم إن هذا الإجراء من الوجهة الشكلية البحتة ، سخيف فورثة المريض لن تكون لديهم فرصة – في حالة وفاته – للتأكد من صحة التوقيع فسوف ينصب كل جهدهم – إلى جانب البكاء إذا كان فقيداً عزيزاً – على إنهاء إجراءات تشريح الجثة ومعاينة النيابة تمهيداً لاستخراج ترخيص بالدفن يتسنى لهم بموجبه استخراج شهادة الوفاة الضرورية لصرف المعاش والمبلغ الذي يدفع كمصاريف للجنازة .
إن الإنسانية تقتضي – والكلام ما زال للمريض – أن يوقع الأطباء بأنفسهم هذا الإقرار بعيداً عن المريض ودون أن يشعر .
- ولكن هذا تزوير .
- بل مجرد نسف للروتين لن يترتب عليه إضرار بحقوق الغير .
- ومن الذي سيوقع الإقرار ؟
- طبيب التخدير .
- ولماذا طبيب التخدير بالذات ؟
- لأن مهمته في الحالتين واحدة : فدوره التاريخي هو تغطية الحقائق ، فكما أن واجبه المهني هو رفع الإحساس بالألم عن المريض فيجب أن يتسع هذا الدور ليشمل كافة أنواع الألم : الجسدي والنفسي . والإقرار يسبب بلا شك ألماً نفسياً شديداً .
- وإذا فرضنا أنه رفض توقيع الإقرار ؟
- توقعه سيادتك !
- أنا ؟ أنا مدير المستشفى .
- والإقرار إجراء إداري فهو من صميم اختصاصك . أليست مهمتك الوحيدة في الحياة هي التوقيع قبل وضع الختم على الأوراق . كل المديرين لا صلة لهم بالعمل الحقيقي في مؤسساتهم ، بل إن مهمتهم فقط تتمثل في تعويق العمل من خلال توقيعهم ، أوتوقفهم عن التوقيع على الأوراق التي لا يفهمونها .
- أنت خرجت عن آداب الحوار .
- بالعكس . أنت الذي خرجت عن آداب الحوار .
- كيف ؟
- أنت انتقلت إلى الهجوم الشخصي عليّ وتركت الموضوع الذي نتحاور فيه .
- ليس لدي وقت : هل ستوقع إقراراً بقبول إجراء العملية لك ؟
- ليس قبل أن نتفق على أهمية هذا الإقرار .
- قلت لك ليس لدي وقت .
- إذن وقع أنت الإقرار .
- حسناً ، سأوقع قراراً بخروجك فوراً من المستشفى .
- ما دام الأمر مجرد توقيع فلماذا لا توقع الإقرار بدلاً من القرار ؟
- لا داعي للفلسفة . تفضل اخرج .
- أنا مريض يا سيدي . . . .
خرج المدير بعصبية مكرراً الأمر بالخروج ولكن المريض لم يكترث بالصراخ . تجمع العاملون بالمستشفى حول المدير الذي ترنح على كرسيه إلى الوراء وطلب ماءً مثلجاً وقبل أن يؤتى له به ، راح في غيبوبة . مرت ساعة كان الأطباء خلالها يفحصون المدير فحصاً دقيقاً تبين لهم في نهايته أن مرارة المدير توشك على الانفجار ، وفي حاجة إلى جراحة عاجلة ، كان الأطباء يتحاورون بانفعال في كيفية التصرف ، سأل المريض بإلحاح : هل سيوقع المدير إقراراً بالموافقة على إجراء الجراحة لي أم له بعد أن يفيق من غيبوبته ؟

===================
Mostafaragab1999@yahoo.com

انتظار

انتظار
شعر / مصطفى رجب
"1" وكنت انتظرتك وجه النهار أغيب قليلا ً .. وأصحو قليلا وفي داخلي: بين ثلج ارتقابي ونار انتظارك ثار الشجار فأواه لو تعلمين وأواه لو تسبحين مع الدم في لحظة الانفجار فياليت كل التي واعدت عاشقاً جربت الانتظار ....!
"2" وكنت انتظرتك بالليل - مذبحة العاشقين! - طويلا.. طويلا فقال لي الليل: صفها لعلي آتيك منها. ببعض ابتساماتها قلت: يا ليل سل قال: ما طبعها؟ قلت: كالشمس دفئا وكالبحر موجاً غضوباً ولُجَّا وكالعطر إن ضاع بين القُبَلْ قال: ما لونها؟ قلت: لا أتذكر غير غيابي وغير انسيابي مع الشَّعْر في لفتة الجيد في لحظات الخجل قال لي: ما اسمها؟ قلت: من باح زل، ومن زل ضل!
"3" وصفتك لليل:
فَرْحًا وجُرْحًا وقدا ورمحا ونفحاً ولفحا وعينين للسحر ضخاختين وكفين بالدفء نضاختين وخصرا.. إذا رام بعض التثني يغني وصفتك بين الرضا والتجني وصفتك بين يقيني وظني وبين انتظاري وبين التمنى وشيئا فشيئا تسربْت بين دموعي وبيني فما عدت أعرف إن كنت أبكي أسى أم أغني!!

الجمعة، 22 مايو 2009

اللجنة العليا لتأليف اللجان




اللجنة العليا لتأليف اللجان !!
د. مصطفى رجب
كان الخبر الأول في صدر الصفحة الأولى من جريدة ( المصري اليوم ) بتاريخ 20/5/2009 يقول : [ كشفت مصادر رسمية أن اللجنة الوزارية لتطوير القمح تدرس اقتراحا قدمه خبراء، لتحويل دعم الخبز إلى دعم نقدى، على أن يباع الخبز بسعر إنتاجه وتكلفته الحقيقية، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح ووقف استيراده. وأوضحت المصادر أن الاقتراح استند إلى دراسة، تضمنت أن إنتاج مصر من القمح سنويا يتجاوز ٨ ملايين طن، فى حين أن استهلاكها السنوى ١٦ مليونا، يتعرض نصفها على الأقل للإهدار بسبب الدعم العينى المباشر لرغيف الخبز، وأن استهلاك الشخص من الخبز يبلغ ١٩٠ كيلو سنويا ومعظمه يضيع إما علفا للحيوانات أو يلقى فى القمامة. وتقترح الدراسة أن يحصل كل مواطن على نصيبه من دعم الخبز «البالغ ١٧ مليار جنيه سنويا»، نقدا من خلال البطاقات التموينية، على أن يشترى المواطن الخبز بسعر إنتاجه.]
ومنذ عام أو أكثر كنت كتبت مقالا نشر هنا عنوانه ( المجلس الأعلى للمزلقانات ) ولم تكن التسمية من عندي بل كانت - حرفيا – من كلام حكومي نشرته جريدة أخبار اليوم يومها . وفي الخبر المنقول أعلاه ، وجدنا الحكومة ( تبتدع ) ما أسمته (اللجنة الوزارية لتطوير القمح ) !! والتي ستتولى – مؤفتا – مهام اللجنة العليا لتطوير البطاطا [ تحت التأسيس ] ومهام اللجنة العليا لتقوير الكوسة المنبثقة من المجلس الأعلى للخيار والفقوس – فرع الاتحاد العربي للصبر طيب - !!
وكانت الأستاذة منى الشاذلي قد خصصت إحدى حلقات برنامجها الناجح العاشرة مساء ، خلال الأسبوع السابق لنشر خبر المصري اليوم لمناقشة قضية استيراد القمح الفاسد ، واستغرب الحاضرون والمذيعة نفسها والمشاهدون جميعا – حتى حجازي نفسه ابن خالتي !! – ما قاله أحد مسؤولي الحكومة في البرنامج ، من أن الحكومة حتى عام 2005 كانت تستورد حاجتنا من القمح عبر مناقصات دولية شفافة ، تسمح بورود القمح وفحصه أولا ، ثم تسليم ثمنه بعد ذلك للمصدرين من الدول السبع المصدرة للقمح .
وفجأتم – كما ينطقها حجازي – نامت الحكومة فرأت فيما يرى النائم المكشوف أن جحا أولى بلحم ثوره ، فاستجابت لضغوط رجال الأعمال السوداء من المصريين ( أهمه ) الذين اقترحوا عليها أن تسلّفهم الفلوس ، ليستوردوا هم القمح بدلا من هيئة السلع الغذائية التابعة للحكومة التي ناط بها القانون استيراد السلع !!!!!!!!!!! ، ثم يقومون بتمريره عبر الحجر الصحي والحجر الزراعي ، ثم يوردونه هم للحكومة من الداخل !!!!!!!!!!!!!!!!
فإذا اعترض الحجر الزراعي أو الصحي فيتم تفويض الأمر لله تعالى !! ولا مسؤولية على من قاموا بالاستيراد بفلوسنا والتربح بتصدير القمح الفاسد إلينا . !!!
بعد إذاعة الحلقة والدهشة مما جاء فيها فوجئنا بأن هناك كيانا قانونيا حكوميا يسمى (اللجنة الوزارية لتطوير القمح ) إنا لله وإنا إليه راجعون !!!
ما الذي تفعله هذه اللجان ؟ وما الذي تقوم به وسياستنا الزراعية والتركيب المحصولي لزراعاتنا يتخبط بين الفراولة والكنتالوب ؟ ومن الذي لجَّن هذه اللجان العابثة ؟ و من الذي مجلس تلك المجالس العليا والوُطيا والتي بين بين ؟
وإلى أين تمضي بنا هذه المهازل ؟ بعد صفر الجامعات وصفر المونديال وهروب الحضري وخصخصة البصبصة وقصرها على القادرين فقط من أصحاب الملايين الذين يقتلون ويُقتلون لأسباب لا علاقة لها بالأذان الموحَّد ولا بشرق التفريعة ولا بتسريب الامتحانات؟
===========================
Mostafaragab1999@yahoo.com




الطوابير

وللطوابير فوائد أخرى !!
د. مصطفى رجب

هذا الشعب جحود كنود فظ نكّار للجميل ، تصنع الحكومة الصنيع تبتغي به إسعاده ، وإبهاجه، والتخفيف من معاناته ، والتسرية عنه ، فلا يقابل الصنيع الطيب إلا بسوء النية ، وخبث الطوية ، والرد الخشن العنيف ( كالإضراب والاعتصام والتظاهر ) وهذا النوع من الردود لا يلائم حكومةً ( فافي ) :
يكاد رقيق الماء يخدش جلدها
إذا اغتسلت بالماء من رقة الجلد
ولو لبست ثوبا من الورد ناعما
سيشكو إليها الجسم من ثقل الورد
ولو تأمل هذا الشعب - الفظ الغليظ القلب - وزراء هذه الحكومة وهم يتحدثون إلى المذيعات البيض الحسان اللواتي يذبن تكسرا ، ويتمايلن تأنثا وتلاعبا ، لرأى كيف ينافس وزراء الحكومة أولئكن المذيعات في حلاوتهن ورقتهن وعذوبة نطقهن ، أفهذه الرقة والنعومة التي نراها في وزرائنا يصح أن تقابل بهذا العنف العنيف وتلك الشدة الشديدة والقسوة القاسية التي يظهر بها المتظاهرون والمحتجون والمضربون؟
إن الطوابير سبيل من سبل تربية الشعب وتهذيبه ، فهي في واقعها:
1- تحسّن الأخلاق وترتقي بها لاسيما إذا كانت كثيفة متلاصقة .
2- تعوّد ( المتطابرين ) الصبر والثبات .
3- تنشط الدورة الدموية.
4- تقوي الساقين لمن ألفوا السكون وكرهوا التريض .
5- تشيع جوا من السعادة والمرح بما يند عن أصحابها بين الفينة والفينة من نكات وتعليقات .
6- تفتح آفاقا واسعة للحوار الوطني الديمقراطي بدلا من المقاهي .
7- تقدم فرصا متجددة للتعارف وتوليد صداقات جديدة .
8- توفر فرصا للسيدات لتبادل الخبرات في شؤونهن كافة ..!
9- توفر المال الذي سينفق – في وقت الفراغ – على المقاهي والسيبرات والكافيهات
ولا أشك في أن القراء الكرام سيضيفون مزايا عديدة للطوابير ، لم أذكرها . وبخاصة أولئك الذين ذاقوا حلاوتها ، و.." من ذاق عرف " كما يقول الصوفية . فأنا لا أصدق ما تشيعه الصحافة المستقلة الجاحدة الحاقدة من أن في مصر طوابير بهذه الشناعة التي يصفون ، فمسكني بالقاهرة يقع في تلك "المنطقة الخضراء" الهادئة الرومانسية الساحرة التي تفصل بين منطقة الوايلي الكبير،ومنطقة الزاوية الحمراء ،وصحيح أنني لا أقيم هناك إلا يومين أول الشهر ويومين آخره ، ولكنني لم أر على وجوه أولئك الوايليين والزاويين الحمر ، إلا سعادة ورضا وابتهاجا ، ولم أر منذ سكنت في تلك المنطقة طابور خبز واحدا ، ولا طابور أنابيب غاز ، ولا طابور دفع فواتير ، ولا طابورا على (مبولة) ، [ فالمنطقة لا شيء فيها من ذلك كله] ولم أر على وجوه الشعب إلا الضحك المتصل والسعادة الخانقة بهذه الحكومة الرائقة ، فكثيرا ما يصادفني مواطن يسير وهو يحدث نفسه بعصبية ، فهل يقول أحد إلا أن هذا الرجل يحادث زوجته بما لم يستطع أن يحادثها به وهما في البيت؟
وأحيانا أرى رجلا يسير عاريا أو يفترش الطريق عاريا ، فهل يقول أحد بعد ذلك إن الحكومة تضيق ذرعا باللبراليين ودعاة التحرر وتفرض عليهم قيودا ؟ أفليس في مسلك هذا الرجل دليل على سعة صدر الحكومة وبطنها وقفاها ؟ وأحيانا أرى رجلا يضحك بشدة وهو ينظر إلى الأفق السرمدي البعيد ، أفيقول أحد إن هذا الرجل يعاني من الطوابير؟
ومع ذلك كله فإن الحكومة رحيمة بشعبها على ما فيه من جفوة وغلظة كبد ، فهي لم تستصدر له – حتى الآن – فتوى من دار الإفتاء بأن الطوابير حرام ، وأن الخبز نفسه مكروه لمن استطاع إلى الصوم سبيلا ، ومن لم يستطع فعليه بالبسبوسة فمن لم يجد فعليه بالكورن فليكس فمن لم يجد فعليه بالفينو ، وهي – حتى الآن – لم تحل أوراق شعبها للمجمع ولا للمجلس القومي للمرأة ولا للمجلس الأعلى للمزلقانات ، وما تزال تنتظر أن يثوب هذا الشعب الأنكد إلى رشده فيقر لها بما تفعل فيه من إنجازات !! فمن أين تأتي المعارضة الشرسة القاسية بكل هذه الافتراءات ؟ لا أدري ..!!
والطابور- في اللغة – لفظ تركي على وزن فاعول مثل شاكوش وناقور وخازوق ، وهو وزن لا تعرفه الفصحى إلا من أوزان اسم الآلة غالبا ، وهذا يؤكد ما ذهبت إليه من أن الطابور آلة من آلات الترفيه التي استحدثتها الحكومات للتسرية عن الناس .فإذا جمعت لشعوبها – بجانب الطوابير – وجوها سمحة ناعمة رقيقة هادئة لحد البله ووزعتهم على شاشاتها ليل نهار، يكذبون ويضحكون ، ويسرون عن الناس ، بما يقولون وما يفعلون ، فماذا تفعل أكثر من ذلك لهذا الشعب الكنود؟
====================
Mostafaragab1@gawab.com
==============

الجمعة، 12 سبتمبر 2008

أفعل التفضيل وجنايته

جناية [ أفعل ] التفضيل على الشخصية العربية !
د. مصطفى رجب

لا أحد يستطيع أن يحدد بالضبط بدء ولع العقل العربي باستخدام صيغة التفضيل ، فكتب الأدب تروي الكثير عن أهجى بيت ، وأمدح بيت ، وأغزل بيت ، وأفخر بيت قالته العرب !! ومن العجيب أن بعض المؤلفين – قديماً وحديثاً – قد يدفعهم تعصبهم لشاعر كبير كجرير مثلاً إلى أن يجعلوا قوله :
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح ؟
هو أمدح بيت قالته العرب ، وقوله :
إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا!
أغزل بيت قالته العرب ، ويختارون له أهجى بيت ، وأفخر بيت إلى آخر هذه اللعبة التي تنتهي بالحكم المتوقع : أن جريراً هو أشعر العرب !!
هذا التفكير " الأحادي " – بضم الهمزة أو بمدها ( الآحادي) - ، كانت له انعكاسات خطيرة على العقل العربي ، فأبو حنيفة هو أعظم الفقهاء ( عند أنصاره بالطبع ) ولما كان الشافعية يرون إمامهم الشافعي هو أعظم الفقهاء وأتقاهم ، كان عليهم واجب لازم : وهو الحط من مكانة أبي حنيفة ، ولأن مالكاً هو أعلم الثلاثة كان لابد للمالكية من التهوين من شأن أبي حنيفة والشافعي ، وهكذا صنع الحنابلة ، ولأن الأربعة في النهاية هم " الأعظم " فقد ضاعت جهود فقهاء عظام لم تتح لهم شهرة الأربعة مثل : الأوزاعي ، والإمام زيد ، والليث بن سعد ، وداود الظاهري ، وغيرهم .
ويمكن أن يقال نفس الكلام عن علماء الحديث ، فغالبية المسلمين يطيب لهم استخدام تعبير " أصح" كتاب بعد كتاب الله كوصف لصحيح البخاري أو صحيح مسلم . والإباضية يصفون مسند الربيع بن حبيب بأنه " أصح " كتاب بعد كتاب الله فتتسع هوة الخلاف – نفسياً على الأقل – نتيجة الإحساس بالدونية الذي يرتبط ارتباطاً حتمياً باستخدام صيغة التفضيل .
ومع أن كتب اللغة تؤكد أن التفضيل كصيغة اشتقاقية لا يعني إلا زيادة المفضل على المفضل عليه ، دون سلب المفضل عليه الخاصية الأصلية التي هي موضوع التفاضل ، إلا أن قولنا : زيد أحد بصراً من عمرو أصبح يعني في مفهومنا أن عمرواً لابد له من نظارة طبية كثيفة كثافة الشعر الحداثي !!
مع أن نظره قد يكون مثلاً 6 على 9 في حين يكون نظر زيد 6 على 6 ، وبذلك يكون هناك ملايين – من الخليج إلى المحيط – نظرهم يتراوح بين 6 على 12 و 6 على 60 ولكنهم لا يشعرون بالمهانة التي يشعر بها عمرو حين يسمع تلك الجملة التفضيلية .
والذي ترتب على هذا :
أولاً : انحياز المفضَّل عليه إلى نفسه ، وانحياز أنصاره إليه ومحاولتهم الذب عنهم ، فنتج عن ذلك أن وجد في المجتمع العربي فريقان كبيران : الفرزدقيون والجريريون ، وتحولت العقلية العربية من الأحادية إلى الثنائية . ففي مصر مثلاً أكثر من خمسة عشر نادياً رياضياً ولكن المصري الأصيل لابد له من أن يكون أهلاوياً أو زملكاوياً . . فالنادي الأهلي ونادي الزمالك هما جرير والفرزدق ، ولا معنى لأن يشجع أحد أحداً غيرهما .
وكثير من شعرائنا في مطلع هذا القرن كانوا مجيدين حقاً – بمقاييس عصرهم – مثل أحمد محرم ومحمد عبد المطلب وخليل مطران وعلي الجارم ، ولكن الكرة الأرضية لم تكن تتسع إلا لاثنين : شوقي وحافظ . وشأن الأدب شأن الشعر ففي الوقت الذي كانت أقلام : محمد حسين هيكل ، وتوفيق دياب ، وأحمد أمين ، وعبد الوهاب عزام ، ثم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ، لم تكن الساحة تحتمل إلا المبارزين الاثنين : طه حسين والعقاد .
ولابد لكل مسلم بالغ عاقل – كما يقول الفقهاء – أن يشجع أحد الشاعرين : شوقي أو حافظاً ، وأن يشجع أحد العملاقين : طه حسين أو العقاد .
وإذا أردت إقناع أحد المتعصبين بأنك متحرر عن التأييد المطلق والذم المطلق ، وأنك تحب لطه حسين الأيام وحديث الأربعاء بنفس الدرجة التي تحب بها كتاب العقاد عن ابن الرومي وكتابه عن نفسه " أنا " اتهمك من تناقشه بأنك من " الباطنية " أو من الذين يؤمنون بمبدأ " التقية " أي أنك متحيز ولكنك تخفي تحيزك لأديبك المفضل . .
وما زالت صحافتنا تكرس هذا الوضع ، ففلان أشجع العرب ، وفلان أعلم أهل عصره ، وفلان أمهر لاعب في الفريق .
ومن الأحادية إلى الثنائية أضاع العقل العربي جهوداً كبيرة في الخصومات والعصبية كان من الممكن أن تستغل لمزيد من العطاء والإبداع ولا حاجة بنا إلى تضييع الوقت في المقارنة بين البحتري وأبي تمام ، وشوقي حافظ ، والمتنبي وأبو جلمبو . . !!!

آه يا زمن !!!!

الزمن العربي
أ.د/ مصطفى رجب

لا يوجد إنسان على ظهر الأرض يعاني ما يعانيه الإنسان العربي من حساب الزمن فالدول المتقدمة تحسن تقدير الوقت وتنظيمه ، وتستخدم الساعات اليدوية - بغض النظر عن قيمتها المادية - لتنظيم المواعيد ، وترتيب الأولويات . والأولويات عند الإنسان في الدول المتحضرة هي العمل ثم العمل ثم العمل ثم الراحة ، وغالباً ما تكون الراحة نفسها نوعاً آخر من العمل ، فهي إما استسلام لهواية نافعة ، أو متابعة برامج مبثوثة مفيدة ، ولو اقتصرت فائدتها على الإمتاع العقلي والنفسي .
أما الأولويات في العالم العربي ، فهي التفاخر ، ثم الثرثرة ، ثم الهروب من النفس إلى الآخرين ، ثم تزجية الوقت على المقاهي أو في الأندية . وأما العمل فلا مكان له في حساب أولويات الإنسان العربي لأنه يظن أن ما يتقاضاه من أجر إنما هو لمجرد تفضله بالحضور والانصراف إلى مصلحته الحكومية أو مؤسسته .
ولا يوجد إنسان على ظهر الأرض يبذل ما يبذله الإنسان العربي في اختيار ساعة يده ، فهو يدقق ويحقق ، ويسأل ويتثبت ويبحث ويكد ويوسع الخبراء والمستهلكين والتجارة أسئلة واستفسارا عن أجود وأمتن وأقوى وأجمل وأغلى وأدق وأرق الساعات وأشهر " الماركات " العالمية قبل أن يشتري ساعة لنفسه ، حتى إذا اشتراها وعرضها على رفاقه ومجالسيه وسُمّار لياليه ، لم تعد تعنيه إلا إذا اختلف مع صديق له حول موعد "فلم" أو مسلسل أو مباراة يذيعها "التليفزيون" . فهو حينئذ قد يحتاج إلى النظر في ساعته .
وقد تفننت الشركات العالمية في إنتاجها ليناسب الذوق العربي فمن المعروف حاليا ، أن كثرة الشركات العالمية تنتج كثيراً من منتجاتها وفقاً للذوق العربي لأن أسواق العرب من خير أسواق الأرض توزيعاً ، فالعرب - بطبيعتهم - مستهلِكون - بكسر اللام - (ويجوز فتحها مع شيء من سوء النية ) .
وقد أنتجت بعض شركات الساعات ساعات يدوية مزودة بدوائر إلكترونية توفر لمستخدم الساعة آلة حاسبة ، وذاكرة لأرقام الهاتف ، ومنبِّهاً للمناسبات ، وأجراساً تدق إذا حان وقت معين يريد صاحب الساعة أن يتنبه إليه ، بل واحتوت بعض الساعات مؤشراً يحدد جهة القبلة إذا أراد صاحبها الصلاة ... إلى غير ذلك من خدمات ظنت تلك الشركات أن الإنسان العربي - المفعم بالانشغال - بحاجة إليها .
وقد أقبل العرب على هذه الأنواع المتقدمة من الساعات إقبال الإبل العطاش على الماء البارد العذب ، فاشتروا منها الآلاف وتهادوها بالملايين ، وزينوا بها معاصمهم المصونة وتبختروا بها بين أنديتهم ورفاقهم وأطنبوا في ذكر محاسنها ومميزاتها وخدماتها التي تشير - في النهاية - إلى أن مستخدمها رجل شديد الأهمية ، مغرق بالتكاليف المتنوعة ، نهب للمواعيد المتلاحقة ، معرَّض للحسابات الطارئة ، إلى آخر ما في الساعة من خدمات متاحة .
ثم ماذا ؟
ثم إن العربي بعد أن يحمل تلك الأثقال من الخدمات التقنية المعقدة ، تراه مسترخيا على المقهى ، ساحباً أنفاس "الشيشة" في برود قاتل ، يتابع حلقات دخان الشيشة ، وحلقات مسلسلات التلفاز في هدوء يحسده عليه الشيطان نفسه . فإذا طلبت منه موعداً غداً تريده فيه قال لك : آخر النهار !! .
وإذا طَلَبَتْ منه زوجه أو أبناؤه موعداً للفسحة تمطى وتثاءب وقال : آخر الأسبوع!! .
وإذا دعا داع إلى سفر أو عمل ثقيل ، هز رأسه وقال : آخر العام !!.
وهكذا ..
من آخر إلى آخِر - بكسر الخاءين - يظل إحساس العربي بالوقت معدوماً .. فهو دائماً في الأواخر !! لأن تحديد الموعد بدقة لا يناسب حريته في الحياة .. وهي حرية متوهمة مزعومة يحاول العربي أن يستعيض نفسياً بها عن حريته الحقيقية المكبلة بأطنان القوانين الموروثة !!
والحرية التي يمنحها الإنسان العربي لنفسه - مقابل حريته المسلوبة - هي حرية مدمرة : فهي حرية ترك العمل ، وحرية حرب الذات عن طريق إدمان المكيفات ، وحرية تخريب المجتمع عن طريق التفكك الأسري المزمن ، وحرية الكذب وتجريح الآخرين ، وحرية النفاق .
ولكن أقساها على الإطلاق هي حرية فتح أسوار الزمن بلا حساب ، فالزمن العربي لا يعرف ساعات اليد الصغيرة ، ولا المنبهات الكبيرة ، الزمن العربي مفتوح على مصراعيه على قدر ما تتسع الرئات لاستقبال الهواء .. ومفتوح بقدر طموح اليهود وأطماعهم اللانهائية في أرض العرب وثرواتهم ..
فإسرائيل تقتطع جزءاً عربيا في ساعة ، ويظل العرب شهوراً يتناقشون في طبيعة رد الفعل ، ثم ينتهون إلى بيان إدانة ووثيقة استنكار يبعثون بها إلى واشنطن مع باقة ورود ناضرة تعبر عن معنى السلام !!
والزمن العربي يتسع لأحلام الجالسين على المقاهي دون تحديد مواعيد للعودة إلى منازلهم .. فمنازلهم - كالزمن - مفتوحة طول الليل لا يخشون إذا عادوا متأخرين أن تصدهم عن دخولها أو تغلظ لهم في القول " لصياعتهم " غير المنتهية .
وهكـــذا ..
يميع الجسم العربي الرخو ، ويمتد الزمن العربي السائل إلى ما لا نهاية برغم الساعات الفارهة ذات الخدمات المتعددة في المعاصم المشغولة بأحجار النرد ، و "رصّ " المعسّل في كراسي الشيشة .
فمن ذا الذي يستطيع أن يضبط ساعات العرب على غروب الشمس وشروقها كما كانت قديماً ، بدلاً من ضبطها على مواعيد "جرينتش" وساعة "بيج بن" الإنجليزية ؟
بل من ذا الذي يستطيع أن يضبط الزمن العربي على عقارب الجد في عصر كل ما فيه - في العالم العربي - هزل في هزل؟
الشعر الحلمنتيشي :
في الأسبوع قبل الماضي طلب مني أحد المعقبين على مقالتي أن أكتب عن هذا اللون الفكه من الشعر العربي ، وقال إنه سمع بعض قصائد لي في أمسيات شعرية من هذا اللون ، وأحب أن أنبه القارئ الكريم – ومن يشاركه الاهتمام – بأن لي كتابا صدر عام 1998عن المكتب المصري للمطبوعات بالمنيل- القاهرة ، عنوانه ( الشخصية المصرية والشعر الحلمنتيشي ) كما أنني جمعت ديوان رائد هذا الفن وهو الشاعر المرحوم حسين شفيق المصري وسيصدر في سلسلة ( كتاب الجمهورية) الذي تصدره جريدة الجمهورية ، أما ديواني في طبعته الثانية ( حلمنتيشيات ابن رجب ) فقد صدر منذ شهر عن دار العلم والإيمان بدسوق – كفر الشيخ . وبالمناسبة فقد أصدرت الدار نفسها منذ شهر فقط كتابي ( الإفراط في الاستعباط ) الذي ضم مقالاتي التي نشرها موقعنا المتميز
( المصريون ) ، واستجابة لرغبة القارئ صلاح العسال هذه إحدى قصائد ديوان (حلمنتيشيات ابن رجب ) :
أوهام
"دع عنك لومي فإن اللوم إغــراء *** وداوني بالتي كانت هي الــــــــداء"
من البتللو إليها الناس قد نظــروا *** فسمموها وعادوا مثلما جـــاءوا
حمراء لا يخطيء المِنخار ريحتَهـــا *** لو مسَّها جدعٌ مسَّتْه لطمــــاء
وربما شقه الجزار في غضـــبٍ *** فطار جسم الأفندي وهو أجـــزاء
ما للموظف واللحماءِ يطلبهـــا *** وهْو الحويط إذا "القرشين" قد جاءوا
لكنَّ زوجته راحت تُبستفــــه *** إن الحريم لها في اللحم أهــــواء
تبيت تزغد في البرميل شاكيـــةً *** تقول : ياادلعدي . جاءتك نيــلاء
عيالنا تنبلوا والفول صيَّرهـــم *** حاءً وميماً وياءً بعدهـــــا راء
وكلهم في امتحان الترم قد سقطوا *** وعندهم ملحقٌ والناس شايفـــاء
فتامرٌ عنده جبرٌ وهندســـــةٌ *** وهيثم عنده نحوٌ وكيميـــــاء
فافزع إلى أي جزار تصادفـــه *** إن العِيِلَّة يا ابن الناس غاليــــاء
فطرطق البأف آذاناً ، وقال لهــا *** إن الحكومة يا بكماء ..ناصحـــاء
قالت لنا : اللحمُ فيه ألفُ مشكـلةٍ *** يشكو بها كبدٌ منًّا وأمعـــــاء
وقبلها حرَّمت أكل الفراخ عـلى *** موظفيها كما قال الأطبـــــاء
وأكَّلتنا بلوبيفاً تجيء بـــــه *** مُشَكَّكاً فالديون اليوم ضخمـــاء
وقال لي راجلٌ ذو مركزٍ حــرجٍ *** إن البدنجان للعيَّان صحَّـــــاء
وفي الكرنب مع الفتَّاء فلسفـــة *** تفوق ما قاله رسطو وسُقــــراء
وفي البطاطا التي تهوَين منفعـــة *** لاسيما وهْي فوق الأكْس سُخْنــاء
وما عليك إذا أعدستِ من حـرج *** وما عليك إذا كوَّستِ بأســــاء
فاخزي الشياطين يا بمباء وانخمـدي *** وانسي اللحوم فودني اليوم صمَّــاء
وإن سمعتك تاني جبتِ سيرتهـــا *** فروِّحي عند ماما أنت طالقــــاء


=================
Mostafaragab1999@yahoo.com

الثلاثاء، 9 سبتمبر 2008

أعطني تطبيعا ... أعطك جاسوسية !! - د. مصطفى رجب





قال موشيه دايان وزير دفاع إسرائيل لإسحق حوفي رئيس جهاز الاستخبارات (الموساد): "أريد رؤية السادات كما يرى الإله البشر!!". وكانت هذه رغبةً بيجين أيضًا رئيس وزراء إسرائيل. وقد طلبا هذا الطلب من رئيس الموساد – حسب اعترافاته- بعد ما تحدد نهائيًّا موعد زيارة السادات لإسرائيل, وتنفيذًا لرغبة رئيس الحكومة ووزير الدفاع طلب الموساد من إدارة فندق الملك داود [الذي تقرر أن يقيم فيه السادات] صباح يوم 16/11/1977 إتاحة الفرصة للموساد لفحص الجناح الرئاسي المحجوز للرئيس المصري ومرافقيه.

وقام الموساد بتركيب 45 ميكرفونًا حديثًا في وسط الحوائط التي أعيدت بعد ذلك إلى حالتها الأولى بهدف التنصت السمعي لكل ما يدور في الجناح من أحاديث. كما تم زرع عدسات تصوير ميكروسكوبية للتصوير بالفيديو ليتاح لبيجين ودايان أن يريا الرئيس اسادات في جميع أحواله وتحركاته في غرف الجناح. وكان رئيس الموساد قد أبدى مخاوفه من أن تتمكن فرق الأمن المصرية (التي ستتسلم الجناح لتأمينه قبل وصول الرئيس) من كشف التجسس مما اضطر حكومة إسرائيل لأن تطلب من المخابرات الأمريكية أجهزة حديثة لم يتدرب عليها المصريون ولا خبرة لديهم بها.

ووصلت الفرق الأمنية الرئاسية المصرية إلى مطار بن جوريون صباح يوم 17/11/1977 قبل يومين من وصول السادات مساء السبت 19/11/, وكانت مكونةً من 60 فردًا مقسمين إلى ثلاث مجموعات إحداها لتأمين الطريق, والثانية لتأمين الشوارع المجاورة للفندق, وثالثة قامت بمسح أمني شامل للجناح المحجوز, وخلال ساعات أدرك المصريون أن هناك أجهزة تجسس سمعي وتصويري وتم تحديد أماكنها وإبطال عملها. وتركيب أجهزة تمنع تسجيل أي محادثات في الغرف المحجوزة. وعند وصول السادات قال لكبار رجاله: ممكن أقول نكتة يا أولادي؟ فضحكوا, وقالوا: قل أي نكتة يا ريِّس!!! وكان معنى ذلك أن كل الأماكن الرئاسية تم تنظيمها!!

هذه الواقعة تكشف عن طبيعة الإسرائيليين التي لا يمكن تغييرها وهي الرغبة القاتلة في التجسس على الصديق والعدو!! وهو ما عانت منه كل الدول المتحالفة مع إسرائيل وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تكتشف سنويًا جواسيس يهودًا يعملون داخلها لحساب إسرائيل.

التطبيع والتجسس:

وقد ثبت ثبوتًا قطعيًا أن سعي إسرائيل المحموم إلى تطبيع علاقاتها مع جيرانها العرب لا يهدف – كما تشيع- إلى العيش في سلام, بل يهدف إلى إعطاء عمليات التجسس واجهات ساترة من السفر السياحي, والعلاقات التجارية.

ففي مصر مثلاً, تم القبض على الجاسوس المصري عماد الدين عبد الحميد إسماعيل في نهاية عام 1996. وكان يعمل في مصنع يسمى مصنع سمير للملابس الداخلية (الفانيلات) بمدية العاشر من رمضان قرب القاهرة وهي مدينة صناعية. وهذا المصنع يملكه رجل قبطي مصري اسمه سمير رياض, وله شريك إسرائيل صاحب شركة (تفرون) الصهيونية.

وقد كشفت اعترافات عماد إسماعيل أمام جهات التحقيق المصرية أنه خلال سفره المتكرر لإسرائيل للتدريب في شركة ملابس, تعرف إلى فتاة إسرائيلية من أصل مصري مسيحي اسمها زهرة يوسف جرجس قامت بتجنيده عن طريق تصويره معها في أوضاع جنسية مخلة فاضحة, ثمَّ الضغط عليه بهذه الصور.

وأشهر جواسيس إسرائيل في مصر هو عزام عزام الذي طالب شارون مرارًا بالإفراج عنه. بل إن إسرائيل ألحت على الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون أن يتوسط- أو يضغط على مصر للإفراج عنه لما لـه من أهمية.

وعزام هذا اسمه عزام مصعب عزام, وهو إسرائيلي من أصل عربي درزي. وكان ضابطًا بالجيش الإسرائيلي, وقد جاء إلى مصر تحت ستار العمل في نصع (كفرون) للنسيج كمدرب للعمال على أنواع حديثة من ماكينات النسيج.

وقد ألقي القبض على عزام عزام ليلة الأربعاء 6/11/1997 في فندق (البارون) بحي مصر الجديدة بالقاهرة بعد أن اعترف الجاسوس الذي أشرت إليه سابقًا (عماد إسماعيل) بأنه كان على اتصال بعزام بتعليمات من الفتاة التي جندته.

وقد حاول عزام أثناء التحقيق معه إنكار كل ما نسب إليه من تجسس, فلما ضيق المحققون الخناق عليه وواجهوه بعماد إسماعيل انهار واعترف بأنه يعمل في مصنع النسيج للتستر على عمله الحقيقي السري وهو التجسس!!

هذه الوقائع- وغيرها كثير- تؤكد أن التطبيع يمثل مناخًا رائعًا لأعمال التجسس, بل والتخريب المتمثل في نشر المخدرات, والأمراض الجنسية, ولعل من أبشع ما يتم تحت سقف التطبيع هو عمليات خطف الأطفال التي أشارت إليها مجلة (الشرطة) الإسرائيلية في عددها الصادر في 1/12/1977, ثمَّ بعد ذلك في عددها الصادر في 28/2/1997. حيث ذكرت أن طبيبًا يهوديًا يدعى "إبراهام مور" يشتري الحيوانات المنوية من شباب معروفين لـه في كل من مصر والأردن مقابل مبالغ مالية مغرية. ويستخدم هذه العينات في عيادته الطبية (7 شارع كلفن- تل أبيب) لتلقيح فتيات إسرائيليات صناعيًا. وبعد نشر هذه الفضيحة أصدرت وزارة الصحة الصهيونية قرارًا بمنع التلقيح الصناعي بحيوانات منوية عربية لتعارض ذلك مع الديانة اليهودية!!!

وفي السياق نفسه نشرت صحيفة (معاريف) يوم 3/2/1977 أن أكثر من 5000 طفل مسلم يعيشون في إسرائيل تم خطفهم أو سرقتهم من الدول المجاورة لإسرائيل ثمَّ تم تهويدهم!! وبلغة إخواننا خفاف الدم من أهل القاهرة (ادِّيها تطبيع .. تدِّيك جواسيس!!).

أفبعد ذلك كله: هل ما زال عند من يتحمسون للتطبيع حجة؟ أم أن حمرة الخجل هي الأخرى سرقها اليهود؟!!!!


mostafaragab@maktoob.com